مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
209
تفسير مقتنيات الدرر
لمّا حكى عن الكفّار أنّهم تعجّبوا من رسالة رجل منهم أزال تعجّبهم بأنّه لا يبعد البتّة أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشّرهم على الأعمال الصالحة وينذرهم عن الأعمال القبيحة ويؤدّبهم بأدب المعروف . وهذا إنّما يصحّ إذا كان لهذا العالم إله قاهر قادر حكيم يضع كلّ شيء بعد الخلق موضعه ، ويأمرهم وينهاهم . ثمّ لا بدّ أن يكون الحشر والقيامة والبعث ثابتا حتّى يحصل الثواب والعقاب اللَّذان أخبر الأنبياء عن وقوعهما ، فلا جرم سبحانه ذكر في الآية ما يدلّ على تحقّق هذين الأمرين . أمّا الأوّل وهو إثبات الإلهيّة فبقوله : * ( [ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّه ُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ ] ) * وأمّا الثاني وهو إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة فبقوله : * ( [ إِلَيْه ِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّه ِ حَقًّا ] ) * . والاستدلال في الآية بخلق السماوات والأرض من وجوه لأنّهما مادّة كلّ شيء ومعلوم أنّ الأجرام الفلكيّة مركّبة من الأجزاء الَّتي لا تتجزّى لأنّها قابلة للقسمة العقليّة وكلَّما كان مركّبا من الأجزاء والأبعاض وجب افتقارها إلى مقدّر وخالق لأنّها لمّا تركّبت فقد وقع بعض تلك الأجزاء في داخل ذلك الجرم وبعضها حصلت على سطحها ، فلها داخل وخارج وفوق وتحت وتلك الأجزاء متساوية في الطبع والماهيّة والحقيقة . والفلاسفة أيضا أقرّوا بصحة هذه المقدّمة حيث قالوا : إنّها بسائط وقالوا : يمتنع كونها مركّبة من أجزاء مختلفة الطبائع . وإذا ثبت هذا فنقول : حصول بعضها في الداخل وبعضها في الخارج أمر ممكن الحصول جائز الثبوت ، يجوز ويمكن أن ينقلب الظاهر باطنا والباطن ظاهرا وإذا كان الأمر كذلك وجب افتقار هذه الأجزاء حال تركيبها إلى مدبّر وقاهر ومسخّر يخصّص بعضها بالداخل وبعضها بالخارج ، فثبت أنّ الأجرام السماويّة والأرضيّة في تركيبها وشكلها وصفاتها مفتقرة ( ظ ) إلى مدبّر قاهر متصرّف عليم حكيم .